الذهبي
1040
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )
سهل يأمرانه بتسليم ما حوى مِن المدن إلى هَرْثَمَة ، والتَّوجُّه إلى الأهواز ، فسلّم ذَلِكَ إِلَيْهِ ، وأقام هَرْثَمَة بحُلْوان فحصّنها ، وأحكم أموره ، ومضى طاهر إلى الأهواز ، ودعا المأمون الفضل بْن سهل فولاه عَلَى جميع المشرق مِن همذان إلى جبل سفيان والتَّبت طولا ، ومن بحر فارس والهند إلى بحر الديلم وجرجان عرضا ، وقرر له على ذلك ثلاثة آلاف ألف درهم ، ولقّبه ذا الرياستين ، ثمّ ولّى أخاه الحَسَن بْن سهل ديوان الخراج . وكان في حبْس الرشيد عَبْد المُلْك بْن صالح بْن عليّ ، فأطلقه الأمين وقرّبه ، فدخل عليه هذه الأيام ، وقال : يا أمير المؤمنين إنّي أرى الناس قد طمعوا فيك ، وقد بذلت سماحتك ، فإنْ بقيت عَلَى أمرك أبطَرْتهم ، وإنْ كَفَفْت عن البذل أسخطتهم ، ومع هذا فإنّ جُنْدك قد داخَلَهم الرعبُ وأضْعَفَتْهُمُ الوقائع ، وهابوا عدوَّهم ، فإنْ سيّرتهم إلى طاهر غلب بقليلِ مَنْ معه كثيَرهم ، وأهل الشام قوم قد ضرستهم الحروب ، وأدبتهم الشدائد ، وجلهم منقاد لي مُسارعٌ إلى طاعتي ، فإنْ وجّهتني أتّخذت لك منهم جُنْدًا تعظُم نكايته في عدوّه ، فولاه الشام والجزيرة ، واستحثه بالخروج ، فلمّا بلغ الرَّقّة أقام بها ، وأنفذ رُسُلَه وكُتُبَه إلى رؤساء الأجناد بجمع الأمداد والرجال والزواقيل والأعراب مِن كلّ فَجّ ، وخلع عليهم ، ثمّ إنّ بعض جُنْده الخُراسانيّة نظر إلى فرسٍ كانت أُخِذت منه في وقعة سليمان بْن أَبِي جعفر بالشام تحت بعض الزَّواقيل ، فتعلق بها ، فتنازعا الفرس ، واجتمعت الناس وتلاحموا ، وأعان كل فئة صاحبها ، وتضاربوا بالأيدي ، فاجتمعت بعض الأبناء إلى محمد بن أبي خالد الحربي ، فقالوا : أنت شيخنا ، وقد ركب الزواقيلُ منّا ما سَمِعْتُ ، فاجمع أمرنا وإلا استذلّونا ، فقال : ما كنت لأدخل في شَغْب ، ولا أشاهدكم عَلَى مثل هذه الحال ، فاستعد الأبناء ، وأتوا الزواقيل وهم غارون ، فوضعوا فيهم السيف ، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة ، فتنادى الزواقيل ، ولبسوا لأمة الحرب ، وشبت الحرب بينهم ، فوجّه عَبْد المُلْك رسولا يأمرهم بالكَفّ ، فرموه بالحجارة ، وكان عَبْد المُلْك مريضًا مدنفا ، فقال : واذُلاه ! تُستضام العربُ في دُورها ، وبلادها وتُقتل ؟ ! فغضب مِن كَانَ أَمْسك عَنِ الشرّ مِن الأبناء ، وتفاقم الأمرُ . وقام بأمر الأبناء الحسين بْن عليّ بْن عيسى بْن ماهان ، وأصبح الزواقيل وقد جَيَّشوا بالرَّقّة ، واجتمع الأبناء والخُراسانيّة بالرافقة ، وقام رجلٌ مِن أهل حمص ، فقال : يا أهل حمص ،